الجمعة، 6 نوفمبر، 2009

مع المفتش كرومبو





قرأت ذات يوم قصة للكاتبة الأنجليزية " أجاثا كريستى " تدعى "مقتل روجر أكرويد " ... الحق أن لها أسلوبا مثيرا للغاية فى رواياتها فأحداث القصة تظل غامضة مبهمة الى أن يتضح كل شىء فى نهايتها وينكشف مفتاح الجريمة والقاتل بشكل غير متوقع تماما ... المهم أنه من عاداتها أيضا (وفى هذه القصة بالذات ) أن تذكر وقت الجريمة ووقت الأحداث التى وقعت قبلها وبعدها بمنتهى الدقة ... فالساعة السادسة تختلف عن الساعة السادسة والثلث والرابعة الا خمس تختلف عن الرابعة ... الحق أن هذا أكثر ما ضايقنى طوال فترة قراءة الرواية ... ماالذى سيحدث يعنى فى خلال هذا الوقت ولما هى مصرة أن تزعج القارىء بتلك التفاصيل غير المهمة ... المهم حاولت أن أتغاضى عن ذلك وأكملها الى نهايتها فالزبد كله هناك ... وصلت للنهاية أخيرا ... القاتل كعادة المبدعة أجاثا كريستى لا يخطر على بالك أطلاقا ... ولكن ليس هذا ما يهم ... فالأعجب أن مفتاح حل اللغز وكشفه كان يتخلص فى تلك الجملة التى ذكرها القاتل للمخبر السرى (هيركيول بوارو) دون أن يدرى أنها ستكون أحد أهم الأسباب لكشفه ... " لقد خرجت من غرفة القتيل الساعة التاسعة الا عشر ووصلت لباب حديقة المنزل الساعة التاسعة " .... وهو لا يدرى أن الوصول لباب حديقة المنزل لا يستغرق الا خمس دقائق فماذا كان يفعل الخمس دقائق الباقية !!!


حسنا ... نحن الأن فى مصر ... بلد معبد أبو سمبل وأكتشاف تعامد الشمس على وجه رمسيس كل عامين وتحديدا فى 22 أكتوبر و23 فبراير ..... وبدلا من هيركيو بوارو يوجد مخبرنا العظيم الفذ ( كرومبو ) ... وحدثت تلك الجريمة ... يا ترى ما تحليله لواقع الأحداث سألنا سنية برعى قالتلنا : أنا دخلت علي القتيل فى مكتبه الساعة خامسة أو يمكن سابعة مش فاكرة ... أووف هو أنا يعنى هأقطع نفسى عشان أفتكر ... المهم دخلت عليه لقيته لسه بيقرأ ... سألنا عبده بلاتيشو قالنا : هو انا جبتلهم اللبن النهاردة الساعة 2 ظهرا على بال ما صحيت من النوم ... أنا بأقول 2 عشان لقيت العيال خارجين من المدارس قلت تلاقيها الساعة 2 (سيبك أنت من دقة ساعة بلاتيشو ) وبعدين خدالى كلمتان من سعادة البيه القتيل بس عموما هو كان على الساعة 2 لسه فيه الروح ... أما بالنسبة للقاتل الحقيقى وعندما قال نفس الجملة فأن كرومبو أعتبرها شىء طبيعى وعادى ويمكن أساسا لم تلفت أنتباهه... المهم توصل مفتشنا العظيم أن القتيل كان على قيد الحياة من الساعة 2 ظهرا وحتى ( خامسة أو سابعة أوووف أنا مش فاكرة ) أما باقى الأقوال فلا تحمل أى أهمية ... وهاااه أنا عرفت الحل ... عرفتم أنتو كمان ... يالا أتصل بينا على ........


بصرف النظر هو عرف الحل منين اذا كان اساسا مش متأكد أمتى أتقتل ... ولكن يتضح من تلك الرواية نقطة هامة للغاية الا وهى " أحساسنا المعدوم بالزمن " .... الدقيقة فى ساعتنا ليس لها أى داعى ونتمنى لو نستطيع ان نزيل ذلك العقرب الذى لا قيمة له منها (ده حتى بيلدغ على رأى سنية برعى) .... ونظرا لأننا لا نهتم كثيرا بالتوافه التى تدعى الدقائق فأن حديثنا يكون بالساعات ... معادنا الساعة 9 ويمكن أتأخر دقيقتين كده ولا حاجة ( الترجمة بالمصرى " ساعتين" ) ... بلاش كرومبو .... أكمل الفراغ الأتى ... مين دايما الطائرة اللى بيطلع الأستعلامات ويقول " عفوا لقد تأخر أقلاع الطائرة ...... ساعة نظرا لأعطال فنية " .... بالضبط أجابة صحيحة ... الطائرة المصرية ... معاد فى رمسيس الساعة الخامسة ... وصلت الساعة الخامسة تماما ( معلش جت غلط المرة الجاية مش هأكررها ) أخذت تنتظر ... الموضوع قلب معاك الى عد العربات الصفراء والحمراء فى الشارع ... بدأ يتطور الى عد أصابع اليد والتأكد من أنهم عشرة ولم يزيدوا واحدا ... وقبل أن تهم بخلع حذائك للبدء فى عد أصابع القدم تجد من تنتظره يقف أمامك يقول لك " معلش يا محمد أنت عارف الطريق " !!!!! ... وأمثلة كثيرة من هذا النوع تحتاج الى مجلدت لحصرها تخبرنا عن سبب وجود أسمنا فى قائمة دول العالم الثالث بقلم لا يُمسح ...


هى أزمة مجتمع بأكمله ... مجتمع سبقه الأخرون بأزمان كثيرة فلم يعد يفرق معه حساب الأيام والسنين .... مجتمع يجد شيئا عاديا ان يحضر بعد ميعاد عمله بساعة ولكن لا يسمح أبدا أن يتبرع بدقيقة زائدة بعد أنتهائه .... المواعيد عنده يعطيها ببلاش وهو ينتقى منها ما يراه مهما وفى الوقت الذى يناسبه .... الأعتذار فى أخر لحظة وكأن أوقات الناس ليست بأهمية وقته .... مجتمع كهذا ماذا ستعنى عشر دقائق (هى وقت أرتكاب جريمة بأكلمها وأكتشاف اليورانيوم وولادة مولود جديد الى الحياة ووووو ) بالنسبة له ...
الحل لا يمكن فى ساعة نضعها فى أيدينا ننظر اليها من وقت لأخر ...

بل فى تقدرينا لكنز أدرك الاخرون منذ وقت طويل قيمته وثمنوه جيدا ....

ربما عندها فقط ....

تختفى سنية برعى وعبده بلاتيشو .....

وعندها يستطيع كرومبو أن يباشر عمله ...

0 التعليقات: