الجمعة، 8 مايو، 2015

رحلة كاترين - الجزء الثانى






المبيت ..

نزلت من فوق الجبل لحجرة المبيت .. كانت واسعة وإن لم تحوى إلا دفاية صغيرة وأكياس النوم التى صعد بها المرشد البدوى مع الجمال ..  تزايد البرد كثيرا (أشك انه كان تحت الصفر لأن الماء تجمد وقتها) ولبست كل ما حملته معى من ملابس ولم يؤثر .. انددست تحت كيس النوم ولازلت أرتعد من البرد .. حاولت الخروج مرة أو مرتين من الغرفة لكن الجو كان أكثر صقيعا بالخارج والسماء انطفأت فيها النجوم تماما .. كانت ليلة كابوسية وظلت تراودنى أفكار ومشاعر سيئة كثيرة حاولت مقاومتها فلم أستطع .. وفى آخر الليل أجهدت تماما من التفكير والبرد فأنعم الله على بالنوم ولم استيقظ إلا على الفجر .. فى وقت آخر من الرحلة كنت أحدث صديقة عن ذلك الأمر فأخبرتنى أن ما حدث شعور طبيعى .. الإنسان حينما يبرد كثيرا تأتيه هلاوس كأنها انذار له كى يتحرك لأن البرد خطير على جسم الأنسان .. أخذت أهون على نفسى وادرك كم أقسو عليها فى حين أن ربنا أرحم من ذلك .. لا يحاسبنا على أفكارنا ولا ضعفنا ويغفر لنا كل شىء .. فلما أحمل نفسى من العذاب ما لم يفعله الله بى .. احيانا افكر انه ربما غدا سيحدث كذا .. ربما ستقع تلك الطائرة .. ربما سيصطدم المترو بالذى يجاوره ..ربما سينقلب الأتوبيس .. أغمض عينى من الخوف لكن دائما الفجر يأتى فى النهاية .. يذهب الخوف والتعب وتأتى رحمة الله .. لا يوجد موقف ابدا رأيته فى حياتى كنت فيه فى قمة العذاب وإلا وآتت رحمة الله تربت على قلبى وتطمئننى بوجوده ورعايته .. وحدث فعلا بعد تلك الليلة أن آتى الصباح وذهب التعب وكأنه لم يكن وبدأت استعد لرحلة جديدة ..

رحلة الهبوط ..
تحركت المجموعة وفطرنا فطارا شهيا .. كانت اجسادنا صاحية وأخبرنا المرشد أن الهبوط سهل جدا لكن ننتبه جيدا لموقع أقدامنا حتى لا تزل مع سرعة انزلاق الصخور .. تلك المرة الأمر كان واضحا .. اتبع الطريق الذى تجد الصخور فيه ممهدة أكثر من غيره .. بدأت اسبق المجموعة وأسمع اصواتهم من بعيد .. فى البداية مللت وأردت ان اسرع كى نصل بسرعة لكن بدأت الجبال تلفت انتباهى .. كان هناك جبل أسود تقريبا تحته سهل عميق للغاية .. المنظر يبدو مهيبا وبدأت اتخيل سيدنا موسى عليه السلام هنا .. هذا المكان قد حدث فيه شىء لأنه يبدو مختلفا كثيرا عما حوله .. بدأت اقرأ سورة (طه) بتركيز فى كل آية وأتخيل أحداثها .. (وهل آتاك حديث موسى .. إذ رأى نارا فقال لأهله أمكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس او أجد على النار هدى .. فلما آتاها نودى يا موسى .. إنى انا ربك فأخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى ... وأنا أخترتك فأستمع لما يوحى ..إننى انا الله لا اله إلا انا فأعبدنى وأقم الصلاة لذكرى) ... تخيل أن هذا المكان قد سمع الله عز وجل .. هذا المكان الصامت المهيب .. أخذت أنزل واقرأ الأية ثم يراودنى خاطر يصرفنى ثم اعود وهكذا لفترة .. آيات القراءن حينما تنتبه إليها تفهم أهمية كل كلمة .. (أقم الصلاة لذكرى) .. (خذها ولا تخف) .. (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى) .. إن القراءن علم لا قرار له وليس فقط كتاب نقرأه كى نأخذ ثواب عليه .. كلمات تلخص خلق الله للكون وحكمته ومعاملته لخلقه .. وذات الكلمات يمكن أن تسمعها فى مكان وزمان لا تفهمها وتجدها واضحة جدا فى موضع آخر .. بحسب استعدادك للتلقى لذلك لا يكون شاغلك أخذ الثواب بقدر ما تريد ان تفهم وتنور عقلك بكلام الله عز وجل إلى خلقه .. أنهيت ذلك الجزء الغريب من الجبل وأقتربنا من النهاية ففضلت أن أجعل المجموعة أمامى تلك المرة لأنى سأفعل شىء غريب .. بدأت اكلم نفسى بصوت واضح كما اكلمك تماما .. بل وأكلمها وكأنها شخص آخر واناديها بأسمها وأتحدث معاها .. اسألها عن كل شىء .. دخلت فى اعماق كثيرة لا اقف عند تفسير سطحى اعتدت دائما أن اقنع به نفسى .. بل اتوغل اكثر واحلل المخاوف والذكريات إلى تفسيرات عقلانية بعيدة عن الشعور السلبى المحض والمقاومة التى لا مبرر لها  .. شاهدت مرة فى فيلم (كونج فو باندا) الجزء الثانى كان بطل الفيلم دائما يصل لجزء معين من الذكريات ويقف خوفا من التوغل اكثر .. يخاف ان يرى اسوء كوابيس نفسه .. ثم بعد ذلك اخبره حكيم : "لا تقاوم دع الذكريات تجرى كماء النهر"  .. عندما فعل ذلك اكتشف حقائق اخرى تدحض كل مخاوفه .. يجب ان تتعلم كيف تواجه مخاوفك لا تدفنها وتصبح شجاعا تجاه أى فكرة وشعور ..حينما تفعل ذلك ستكون دائما بعد امر الله سيد نفسك لأنك ترى كل جزء منها ولم تعد تهرب منها ولم تعد هى تختبىء منك ..

وصلنا إلى بيت رجل بدوى عجوز فى الجبل وارتحنا عنده قليلا .. هذا البيت كان كالأشارة إننا اقتربنا من الأرض ..  أكملنا الرحلة وحينما وصلت لقاع الجبل نظرت للجبل وبكيت  .. أحببتك ايها الجبل كثيرا وأحببت كل درس تعلمته فيك .. حانت لحظة فراقك وانت على صمتك وهيبتك قد تكلمت كثيرا واخبرت روحى بما لم افهمه من قبل .. لا ادرى ان كنت سأراك ثانية ام لا لكنى أشكر الله كثيرا أن ساقنى إليك وحفظنى بين جنباتك ..



رحلة كاترين - الجزء الأول







حينما ذهبت لجبل (كاترين)  كنت اريد هدفا واحدا فقط .. أريد أن أصعد للسماء وأقترب منها .. كنت أريد أن أفهم وأرد على أسئلة ترد بخاطرى .. هناك تجلى الله عز وجل للجبل وهناك سمعته الأرض ..  كان عندى اسئلة لله وكنت اشعر انه هناك سأجد اجاباتها فعزمت على الخروج وتمنيت ألا تكون كأى رحلة خضتها ..

لن احكى عن رحلة الذهاب ذاتها الى كاترين كان يوما عاديا تقريبا قضينا أغلبه فى الحافلة ووصلنا وتعرفت على الصحبة التى لم تتعدى 7 أفراد .. تعشينا وخرجنا نتمشى قليلا أكثر ما لاحظته انه لا احد فى تلك البلدة .. كنا نمشى وحدنا فى الظلام وعمدان نور بعيدة تخبرنا أين نحن .. كنت اتعجب كيف يعيش هولاء الناس فى البرد والعزلة واتسائل من منا أسعد؟! .. تمنيت للحظة أن أعيش هنا للأبد لكن المكان صامت تماما .. الجبال لا تتكلم والناس غير موجودة والبرد يدفن رغبات كثيرة للحركة والخروج .. جلست أنظر للسماء والنجوم وكان منظرها ساحرا وإن كنت قد أجلت الحديث بيننا حتى أصل إليها فى الغد ..

رحلة الصعود ...
بدأت الرحلة صباح ثانى يوم .. كان يقودنا مرشد من البدو فسألته فى بداية الطريق ما نصيحتك لنا ؟! .. قال : أنظر إلى تحت قدميك .. لا تحاول النظر الى الأعلى حتى لا تقع وأيضا كى لا تهبط عزيمتك وتستثقل الطلوع .. الحق إنها كانت أفضل نصيحة على الأطلاق لأنى حينما حاولت أن انظر لقمة الجبال كان الأمر يبدو رهيبا .. لازال امامنا كل تلك المسافة وقمة (كاترين) أصلا لا تبدو لك إلا فى اخر الرحلة لأنها أعلى قمة بينهم .. كنت امشى بخطى بطيئة جدا ومن هنا بدأت أفهم شىء لأول مرة ادركه فى حياتى بذلك الوضوح .. أن تلك الرحلة آخرها شىء عظيم للغاية .. هناك نور أسعى إليه وأريد رؤيته لكنى لا اراه من ذلك المكان لدرجة أحيانا تبدأ تتسائل هل ستراه حقا؟! .. نعم النور موجود فى آخر الرحلة .. وهو يستحق كل المشقة والصبر والتعب لأجل رؤيته .. لا يهم أن تسرع .. المهم أن تمشى بخطوات ثابتة دائمة مؤمنا إنك ستراه فى النهاية .. لو شككت أو يأست ستقف فى وسط الجبل تموت من البرد والحيرة .. لابد أن تكمل للنهاية وتصبر .. ما نراه فى الدنيا هو تصغير لمعانى الحياة .. رحلة صعود الجبل والشمس فى النهاية هى رحلة الحياة ونور الله عز وجل فى المنتهى .. الواحد طوال رحلة الصعود راودته كل المشاعر المختلفة .. السعادة ثم الملل ثم الحزن ثم التعب والحر والبرد والإنتعاش .. استغربت للغاية فى خلال 7 ساعات راودنى كل ذلك وكل شعور لا يستمر ابدا .. كل ساعة أو أقل يتبدل الحال وتختلف معالم الطريق وتبدأ فى الظهور قمم جبلية أخرى وألوان ونباتات تشد انتباهى فتصرفنى عن شعور ماضى لأفكر فى شىء آخر .. لا شىء يدوم وأنا أحدث نفسى بين الحين والأخر سترين النور فى النهاية اصبرى .. وبدأت أدرك شيئا آخر أن الرحلة بالفعل فيها تفاصيل كثيرة .. كنت ألتفت لصحبتى وأحكى معهم ثم أنظر لجمال الجبال .. يتعرج الطريق ونبدأ فى تسلق قمة اخرى ويتبدل الجو وتغيم الشمس وتسطع من حين لأخر .. لما لم يجعل الله تفاصيل الرحلة كلها واحدة ؟!.. أليس المهم ما سأراه فى النهاية .. لو كان ذلك لكنت لازمنى شعور واحد طوال الرحلة وربما صودف أنه كان اليأس مثلا ولم يتغير أى معالم مما حولى فسيطر علىَ حتى وقفت تماما ... هو يقلب الحياة فى أرواحنا ويقلبها خارجها برحمته ..

وصلنا لقمة الجبل قبل الغروب بقليل .. الجو كان باردا للغاية وكان هناك غرفة بسيطة التفاصيل للمبيت .. صعدت إلى غرفة (كاترين) بأعلى وكانت مغلقة وجلست على الأرض بجوارها .. هيبة السماء والشمس وعظمة المنظر لا تكاد تصفها كلمات ابدا .. كانت الشمس قريبة وتنزل بسرعة والسحب تتمدد وتنتشر كما لو أن أحدا ينفخ فيها  ..  لا يمكن ان يخلق ذلك الجمال إلا عظيم .. كل من ظل يخبرنى وماذا لو كان الله غير موجود !!.. وماذا لو كانوا آلهة .. وماذا الذى يثبت أى شىء !!.. كمية من الهراء توضع أمام نور عظيم لا شك فيه .. لا وصف له إلا بالعمى لأنك يمكن أن تنكر شيئا لا تراه لكن الكون ينطق بأسم خالق عظيم دون حتى براهين ولا أستنتاجات.. كان الجو يزداد صقيعا لكنى لم ارد ان أغادر تلك اللحظة ابدا .. جمالها والحنين لذلك السلام والنور آسرنى ولولا ضعف جسدى فى مقاومة الثلج لظللت هناك للأبد .. هذا شكل الشمس والسحاب فما بالك بنور الله .. ما بالك لو رفعت رأسك ورأيته أيمكن أن تشعر بسعادة مثلها .. الكون كله جماله ينطق بالحنين لله فما بالك حينما يكشف الله الستار عنه ونراه فعلا عز وجل .. كيف سيكون الجمال حينئذ ..  اللهم أجعلنا نراك فى الأخرة .. اللهم أجعلنا لا نضل حتى تقبض أرواحنا وأجعلنا قريبين منك وأجعل قلوبنا مخلصة موحدة لك ..