الجمعة، 8 مايو، 2015

رحلة كاترين - الجزء الأول







حينما ذهبت لجبل (كاترين)  كنت اريد هدفا واحدا فقط .. أريد أن أصعد للسماء وأقترب منها .. كنت أريد أن أفهم وأرد على أسئلة ترد بخاطرى .. هناك تجلى الله عز وجل للجبل وهناك سمعته الأرض ..  كان عندى اسئلة لله وكنت اشعر انه هناك سأجد اجاباتها فعزمت على الخروج وتمنيت ألا تكون كأى رحلة خضتها ..

لن احكى عن رحلة الذهاب ذاتها الى كاترين كان يوما عاديا تقريبا قضينا أغلبه فى الحافلة ووصلنا وتعرفت على الصحبة التى لم تتعدى 7 أفراد .. تعشينا وخرجنا نتمشى قليلا أكثر ما لاحظته انه لا احد فى تلك البلدة .. كنا نمشى وحدنا فى الظلام وعمدان نور بعيدة تخبرنا أين نحن .. كنت اتعجب كيف يعيش هولاء الناس فى البرد والعزلة واتسائل من منا أسعد؟! .. تمنيت للحظة أن أعيش هنا للأبد لكن المكان صامت تماما .. الجبال لا تتكلم والناس غير موجودة والبرد يدفن رغبات كثيرة للحركة والخروج .. جلست أنظر للسماء والنجوم وكان منظرها ساحرا وإن كنت قد أجلت الحديث بيننا حتى أصل إليها فى الغد ..

رحلة الصعود ...
بدأت الرحلة صباح ثانى يوم .. كان يقودنا مرشد من البدو فسألته فى بداية الطريق ما نصيحتك لنا ؟! .. قال : أنظر إلى تحت قدميك .. لا تحاول النظر الى الأعلى حتى لا تقع وأيضا كى لا تهبط عزيمتك وتستثقل الطلوع .. الحق إنها كانت أفضل نصيحة على الأطلاق لأنى حينما حاولت أن انظر لقمة الجبال كان الأمر يبدو رهيبا .. لازال امامنا كل تلك المسافة وقمة (كاترين) أصلا لا تبدو لك إلا فى اخر الرحلة لأنها أعلى قمة بينهم .. كنت امشى بخطى بطيئة جدا ومن هنا بدأت أفهم شىء لأول مرة ادركه فى حياتى بذلك الوضوح .. أن تلك الرحلة آخرها شىء عظيم للغاية .. هناك نور أسعى إليه وأريد رؤيته لكنى لا اراه من ذلك المكان لدرجة أحيانا تبدأ تتسائل هل ستراه حقا؟! .. نعم النور موجود فى آخر الرحلة .. وهو يستحق كل المشقة والصبر والتعب لأجل رؤيته .. لا يهم أن تسرع .. المهم أن تمشى بخطوات ثابتة دائمة مؤمنا إنك ستراه فى النهاية .. لو شككت أو يأست ستقف فى وسط الجبل تموت من البرد والحيرة .. لابد أن تكمل للنهاية وتصبر .. ما نراه فى الدنيا هو تصغير لمعانى الحياة .. رحلة صعود الجبل والشمس فى النهاية هى رحلة الحياة ونور الله عز وجل فى المنتهى .. الواحد طوال رحلة الصعود راودته كل المشاعر المختلفة .. السعادة ثم الملل ثم الحزن ثم التعب والحر والبرد والإنتعاش .. استغربت للغاية فى خلال 7 ساعات راودنى كل ذلك وكل شعور لا يستمر ابدا .. كل ساعة أو أقل يتبدل الحال وتختلف معالم الطريق وتبدأ فى الظهور قمم جبلية أخرى وألوان ونباتات تشد انتباهى فتصرفنى عن شعور ماضى لأفكر فى شىء آخر .. لا شىء يدوم وأنا أحدث نفسى بين الحين والأخر سترين النور فى النهاية اصبرى .. وبدأت أدرك شيئا آخر أن الرحلة بالفعل فيها تفاصيل كثيرة .. كنت ألتفت لصحبتى وأحكى معهم ثم أنظر لجمال الجبال .. يتعرج الطريق ونبدأ فى تسلق قمة اخرى ويتبدل الجو وتغيم الشمس وتسطع من حين لأخر .. لما لم يجعل الله تفاصيل الرحلة كلها واحدة ؟!.. أليس المهم ما سأراه فى النهاية .. لو كان ذلك لكنت لازمنى شعور واحد طوال الرحلة وربما صودف أنه كان اليأس مثلا ولم يتغير أى معالم مما حولى فسيطر علىَ حتى وقفت تماما ... هو يقلب الحياة فى أرواحنا ويقلبها خارجها برحمته ..

وصلنا لقمة الجبل قبل الغروب بقليل .. الجو كان باردا للغاية وكان هناك غرفة بسيطة التفاصيل للمبيت .. صعدت إلى غرفة (كاترين) بأعلى وكانت مغلقة وجلست على الأرض بجوارها .. هيبة السماء والشمس وعظمة المنظر لا تكاد تصفها كلمات ابدا .. كانت الشمس قريبة وتنزل بسرعة والسحب تتمدد وتنتشر كما لو أن أحدا ينفخ فيها  ..  لا يمكن ان يخلق ذلك الجمال إلا عظيم .. كل من ظل يخبرنى وماذا لو كان الله غير موجود !!.. وماذا لو كانوا آلهة .. وماذا الذى يثبت أى شىء !!.. كمية من الهراء توضع أمام نور عظيم لا شك فيه .. لا وصف له إلا بالعمى لأنك يمكن أن تنكر شيئا لا تراه لكن الكون ينطق بأسم خالق عظيم دون حتى براهين ولا أستنتاجات.. كان الجو يزداد صقيعا لكنى لم ارد ان أغادر تلك اللحظة ابدا .. جمالها والحنين لذلك السلام والنور آسرنى ولولا ضعف جسدى فى مقاومة الثلج لظللت هناك للأبد .. هذا شكل الشمس والسحاب فما بالك بنور الله .. ما بالك لو رفعت رأسك ورأيته أيمكن أن تشعر بسعادة مثلها .. الكون كله جماله ينطق بالحنين لله فما بالك حينما يكشف الله الستار عنه ونراه فعلا عز وجل .. كيف سيكون الجمال حينئذ ..  اللهم أجعلنا نراك فى الأخرة .. اللهم أجعلنا لا نضل حتى تقبض أرواحنا وأجعلنا قريبين منك وأجعل قلوبنا مخلصة موحدة لك ..