الأربعاء، 11 مارس، 2015

كيف يفهم الإنسان الرمز؟!






جذب انتباهى تمثال لكاتب مصرى قديم ..  كان التمثال مقارنة بغيره يبدو مختلفا عن تماثيل الملوك والكهنة  لكنى لم ألتقط من أول لحظة أى جزء مختلف بالضبط ,,  تمثال الكاتب يتميز بأن شعره خلف أذنه وحينما شرح المرشد قال المصريون القدماء فعلوا ذلك كى يرمزوا أن الكاتب لابد أن يُحسن الأنصات .. أعجبتنى الفكرة من ناحيتين .. من ناحية النحات وذكائه فى تجسيد صفات الكاتب لكن الذى اعجبنى أكثر فكرة (الرمزية) تلك .. تفصيلة صغيرة للغاية فى التمثال تدل على حكمة يمكن سردها فى عشرات الصفحات .. ذلك معناه أن الرسوم ليست فقط لتمثيل (الأشخاص) بل هى ايضا تجسيد (معنى) .. لكنى اتسائل لما يلجأ الأنسان لذلك  ... لما لا يخبرنا مباشرة بما يريده حتى ولو فى صفحات كثيرة .. كيف يضمن أن من امامه سينتبه ويفهم ما يقصده .. كيف وثق النحات مثلا أن اليدين المنقبضة والمنبسطة للفرعون سيفهم منها الناس بعد الآلاف السنين أنها تمثل رحمته وصرامته .. أو أن هالة النور فوق رؤؤس الأشخاص فى الكنائس تعنى نور الله عز وجل فينا .. من الممكن أن يتلقاها إنسان وكأنها مظلة صفراء عادية وليست رمزا .. لكن الفكرة هنا أن العقل حينما يدرك أن ذلك رمزا يبدأ يحرك مخيلته لأستنباط معنى أعمق مما يبدو الشىء عليه .. هو يعلو بقيمة الأشياء والعقل والتفكير ويوجد رابطة بينهم .. إننى افكر كيف توصل الأنسان لفكرة (الرمز) .. لما لجأ إليها اصلا .. هل لأنه مقتنع أن الاشياء المادية يمكن أن تجسد معتقداته وافكاره .. هل يريد أن يريك كيف يفكر ولكنه أراد أن يوصل ذلك بقوة ووضوح شديد فأعتمد على الماديات لأنها اوضح ما تراه العين ..



عقل الأنسان لا يتوقف عن الربط بين الأشياء طوال الوقت .. هناك من يكتفى بتفكيره للربط بين الماديات كشكل الحجرة وطول المبنى ودائرية الأرض واستقامة الشارع.. أو محاولة فهم بنى آدم بما يملكون من تعقيد فى المشاعر والرغبات والافكار والغوص فيها .. أو من ينظر للعالم من منظور رياضى بحت ويجهد عقله فى الوصول لمعادلات وجوده ومن يراه صورة فنية بديعة الألوان تكتفى عينه وسمعه بالأستمتاع بجمالها .. كل واحد منهم يجتهد أن ينمطق الأشياء على طريقته ومن نظرته التى اقتنع انها الأمثل لتفسير الحياة ..  وهناك من يرى العالم متكامل للغاية .. الأفكار لا تسبح بذاتها بل هى مرتبطة بالعالم المادى .. إن الأمر يحتاج الى رقى فى التفكير وكسر حدود العقل كى يقتنع بإمكانية أى شىء .. إن العقل الشجاع هو الأكثر حكمة لأنه لا يخشى أن يتجول فى أظلم الحجرات بداخله .. لا يخاف ان يقلب الكون كل لحظة ثم يعيد النظر إليه .. هو عقل محظوظ لأنه كل يوم يرى شىء جديد وحكمة جديدة .. كل يوم يفهم لا تمر الايام والمشاهد والليل والنهار أمامه فى ملل .. الحياة تكون مملة حقا فى عقول هولاء الذين يكتفون بما يرون وعبثية فى عين هولاء الذين لا يقنعون بما يرون ايضا .. نقطة التوزان هنا أن تبدأ بحقيقة أن خالق مبدع وحكيم قد ابدع رسم الكون .. أنت لا تعرف كيف كان يفكر لكنك تثق أن كل نقطة وورقة شجر وزمن وقدر وضعها كانت جزء لأكمال لوحة.. وما عليك سوى أن تجتهد لتربط تلك النقاط ببعضها كى تفهم ..



أحيانا افكر أن الرمز ما هو إلا تطبيق للفهم .. كلما فهمت كلما وجدت كل معنى تفكر فيه له رمز مادى .. لأن الحياة متكاملة كما لو كان كل مرسوم له صورة مقابلة .. صورة مادية وصورة حكمة .. هل يمكن أن تكون الماديات هى حكم فى ذاتها أصلا وكل ما نفعله هو اننا نتعامل مع حكم طوال الوقت !!

0 التعليقات: